هشام جعيط

165

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

تلفظ أنفاسها ، والتي غرّبها عن ذاتها نظامها الجديد ، حققت نصرا ثقافيا على الهلينية ، في انتظار أن تظهر من جديد القوى الإشراقية المدحورة في كل مكان ، من الشام إلى خوزستان ، حين صارت الإمبراطورية في حالة تفكك . هناك إذن في روح بابل شيء يشبه الاستماتة الفائقة ، وقدرة ممتازة على المقاومة . فماذا صارت هذه الروح حين مرت بها التغييرات التي خضع لها الشرق المركزي ؟ أودع ميراث بابل الثقافي في بلاد بابل ذاتها ، وانتشر واستبطن في بلاد الرافدين كافة ، وتقدم حتى شمال الشام ، ولا بد أنه بقي بصفة خاصة في المركّب المدني الشامل لسلوقية والمدائن ، حيث أن سكانها نقلوا نقلا واسعا ، وحملوا معهم حضارتهم كلها . كانت سلوقية المؤسسة الهلينية الكبرى في بلاد الرافدين « 1 » . وصارت حقا حاضرة للجزء الشرقي من الإمبراطورية ، مفسحة صدرها لكل تيارات الشرق الكبرى . أما طيسفون ( المدائن ) ، فقد كانت إنشاء بارثيا ، ورمزا لنهضة العالم الإيراني ، لكنها ارتبطت لا محالة بسلوقية التي نقلت إليها بقوة الاتصال أوسع جزء من ارثها خصوصا حين مالت الكفة في العصر الساساني لصالح طيسفون التي أصبحت القطب التمديني ومركز القرار . فمن البديهي أن قابلية بابل للخلق استبقيت بالمدائن وفي المقام الأول ، تقاليدها في الهندسة المعمارية والتمصير ، لكن كل هذا بصفة متسترة عنيدة ، ولعل تشريق الفرس تشريقا عميقا - أو إعادة تشريقهم ؟ - ينبغي البحث عنه عبر هذه الظاهرة ، وكذلك انتقال هذا الطابع إلى الفاتح العربي . كانت إقامة الجيش مدة عام بالمدائن « 2 » بمثابة تجربة للحياة المدنية قطعا ، واتصال أول مديد بنمط المدينة - الحاضرة حيث كانت تتجاوز عناصر بابلية وهلينية وفارسية . لكنها كانت فترة قصيرة جدا ، وكانت المدينة مستوفاة إلى درجة قصوى لا تسهل استنباط التصور اللازم لإنشاء حاضرة جديدة : فتسربت المؤثرات البابلية بكيفية أكثر بطئا وغموضا في بناء الحضارة الاسلامية بالكوفة والبصرة وبغداد في وقت لاحق . ذلك أن المصادر تتحدث بوضوح عن ممصرين من الحيرة أو من الفرس « 3 » في هذه المرحلة الأولى . لكن إذا قبلنا أن إرث بابل اندمج بالتقاليد الساسانية ، في طيسفون ذاتها ، فذلك علامة على اتجاه يمكن أن يظهر بوضوح أكبر في الرقعة الجغرافية التابعة لبابل القديمة ، بالكوفة والحيرة . فترتب عن هذا الأمر أصلا تلك البنية المربعة الشكل في مخطط الكوفة التي ليست بالمستطيلة كما في سلوقية بهرسير ، ولا بالمستديرة كما في طيسفون .

--> ( 1 ) Ibid . , VII , p . 187 ; Rostovtzeff , II , p . 427 ; Pigulevskaja , p . 62 . ( 2 ) أو ثمانية عشر شهرا حسب بعض الروايات : الطبري ، ج 4 ، ص 42 - 43 . ( 3 ) روذبة أو روذبه كان من همذان : الطبري ، ج 4 ، ص 48 .